المقداد السيوري

196

إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين

وأما الكبرى : فبديهية ، لان بديهة العقل حاكمة بأن أمثال ذلك لم يصدر الا عمن له علم ، وان صدر فلا يمكن أن يتكرر منه مرة بعد أخرى ، فان من يكتب مرارا خطا حسنا لا يمكن أن يتصور أنه أمي جاهل بالخط ، مع أنه لا نسبة لما في ذلك الخط من الاحكام والاتقان إلى ما في أقل شيء من أفعال اللّه تعالى فإذا كان العلم الضروري حاصل هناك فهنا أولى . ان قلت : الكبرى منقوضة بالنحل فإنه يبني بيتا مسدسا تعجز عنه الحذاق في الهندسة ، والعنكبوت فإنه يبني بيتا في غاية الاحكام ، والنمل فإنه يصدر عنه أفعال محكمة ، وسائر الحيوانات فإنه يصدر عنه أفعال عجيبة لطيفة ، مع أنه لا شيء منها بعالم . وينتقض أيضا بالمحتدي « 1 » لفعل غيره ، كمن ينقش نقشا محكما محتديا بنقش النقاش ، فإنه يفعل فعلا محكما مع أنه غير عالم بالنقش . قلت : الجواب عن الأول من وجوه الأول : نمنع كون تلك الحيوانات فاعلة لما ذكرت ، بل الفاعل في الحقيقة هو اللّه كما يقوله الأشعري ، أو أن الفاعل بالطبع ليس فاعلا بالحقيقة ، بل هو فعل اللّه لأنه فاعل السبب ، فيكون فاعلا للمسبب . الثاني : سلمنا كونها فاعلة ، لكن نمنع كونها غير عالمة بما يصدر عنها ، بل هي شاعرة بأفعالها كلها ، لا بد لنفي ذلك من دليل . الثالث : سلمنا أنها غير عالمة ، لكن خلق مثل هذه الحيوانات محكم ، والهامها فعل هذه الأفعال أحكم من ايجادها من غير توسط . وعن الثاني لا نسلم أن المحتدي فاعل حقيقة ، إذ هو ليس مستقلا في فعله المحكم بل بمشاركة المحتدي ، ولذلك لو انفرد لم يأت بشيء يعبأ به ، فالنقض به غير وارد ، سلمنا لكنه صادر منه على وجه الندرة ، ومرادنا بكون كل من صدر

--> ( 1 ) أي المتابع لفعل غيره .